يسبح الحمام الزاجل في الفضاء محمّلًا بالعِبَر والرسائل، فنقف أمامها حائرين متعجبين من المشهد وتداعياته. وقد اعتمد عليه العرب منذ القدم لنقل أسرارهم في الحكم والحرب، فهو يعود دائمًا بالرسائل بدافع حبه لموطنه الذي يرجع إليه مهما بعدت المسافات الشاسعة التي يقطعها.

وتعني كلمة «الزاجل» في المعجم العربي: الرمي والدفع والإرسال، وتأتي في الفارسية بمعنى القائد العسكري أو قائد الجند؛ فنحن إذن أمام رسائل من قائد عسكري محبّ لوطنه، يأتي محمّلًا بعبق التاريخ. وهو حمام من أصول أفريقية حمل الرسائل منذ القدم حتى العصر الحديث؛ فمن أوائل استخداماته الموثقة ما جرى عام 43 قبل الميلاد، حين حاصرت جيوش القائد الروماني ماركوس أنطونيوس القائدَ ديكيموس بروتوس في مدينة «موتينا» (مودينا حاليًا)، فظل القنصل هيرتيوس على اتصال دائم ببروتوس عبر الرسائل التي يحملها الحمام الزاجل.

ويُروى أن الخليفة المعتصم علم بانتصار جيشه على بابك الخُرّمي وأسره عن طريق حمامٍ زاجل أطلقه قائد الجيش من ميدان المعركة إلى دار الخلافة في سامراء. ويُقال إنه في الحرب العالمية الثانية، وعند هجوم الألمان على بلجيكا، اصطحب المظليون الحمام خلف خطوط جيوش الحلفاء، ثم أطلقوه محمّلًا برسائل عن نتائج عمليات التجسس التي نجحوا فيها.

فنحن أمام رسول يجمع عبق التاريخ، ومع هذا الزائر نطالع اليوم في هذا المقال عدة رسائل وعِبَر تتشابك مع المشهد العام والسياق السياسي في غزة وإيران والمنطقة، إلى جانب رسائل تستحق أن نتوقف عندها في حياتنا ومعاملاتنا اليومية. فلنستمع إلى رسائل هذا القائد الوطني المحب لوطنه.

أولًا: رسائل الزاجل حول المعاملات اليومية

١. قد يصف البعض المقاومة والاستنفار بالبغض والحقد والكراهية، لكنها قد تكون خلاف ذلك؛ فبعض أنواع المقاومة حبٌّ لا كراهية. فقد تقاوم أخاك ليفيق ولا ينزلق في الخطأ، وليرى رفض المجتمع لمثل تلك الأفعال، فيستيقظ ضميره الصالح ويترك الطالح. ولكن هيهات… فهل من متعظ؟

٢. كشف الحقيقة محبةٌ كي تتدارك خطأك وتفيق من سكرة الغرور، لكنك لا ترغب إلا في العيش في ثبات الخديعة… فلتهنأ بها.

٣. الزمن لا يرجع إلى الخلف ولا يعود إلى الوراء مهما حاولت قوى الشر ذلك، فعقارب الساعة تنتفض. انجُ بنفسك من الوهم، فقد تحفر الحفرة لتكون سببًا في نجاة غيرك من النيران.

٤. قد يموت الثعبان، لكن السم يظل في جسد الضحية حتى ينتبه الطبيب إلى الترياق.

٥. ليس الصف الثاني دائمًا هو من يتولى المنصب؛ فربما يأتي الرابع أو الخامس، وفي بعض الحالات السادس أو السابع. فاحرص على بناء الكوادر واختيار الأفضل، كي لا تكون النتيجة كبوةً لا يمكن تحمّلها؛ فالضحية ستكون القضية، ولا قدّر الله الوطن.

٦. ينشغل الإعلام بشأن الجامعات؛ فتارةً يتحدث عن رواتب لا تليق، ويكشف الستار عن الصندوق الأسود لتلك الرواتب، فجعل أستاذ الجامعة في أدنى مراتب الوظائف بالمجتمع، وسلبه الهيبة والسلطة المعنوية. فلا هو ساهم في رفع الرواتب، ولا هو ترك لنا صندوق الهيبة والمهابة والمكانة، والعلماء ورثة الأنبياء. ما بالكم تفعلون هذا؟! وماذا جنينا من فعلتكم؟! ليتكم تركتم لنا الصندوق وكفى.

٧. وبعد سلب الهيبة وانتزاع الرمز، تتعرض إدارات الجامعات لانتقادات من الإعلام ذاته بسبب وضعها قواعد سلوكية تنظم الزي المقبول في الحرم الجامعي. فتارةً نجده يصطف إلى جانب طالبة بحجة حرية المرأة، متسائلًا: كيف لرئيس جامعة أن يقنّن زي حفلات التخرج؟ وتارةً أخرى يصف رئيس جامعة أخرى بالتطرف الفكري لرفضه موضةَ البنطال الممزق المذمومة. في حين نرى الإعلام ذاته يدعم مديرة مدرسة منعت طالبًا من دخول المدرسة والانتظام في العملية التعليمية بسبب ارتدائه «شبشبًا»، وهو الإعلام نفسه الذي يدافع عن فتاة تحتسي البيرة بحجة حقوق المرأة! فعن أي امرأة وأي زمن يتحدث هذا الإعلام؟ وعجبي!

ثانيًا: رسائل حول المشهد العام

١. حملات تشويه الرموز: نشهد بين الحين والآخر حملات ممنهجة لتشويه الرموز، وفي مقدمتها الفارس المحارب الزعيم جمال عبد الناصر؛ إذ نرى محاولات لتشويهه وحذفه من التاريخ، لكنه باقٍ متجذّر في العمق وفي سواد الوطن، يؤرقهم وهو في قبره منذ عشرات السنين. وحتى مع تغيير ما يحمل اسمه، نجده حاضرًا في أسماء عائلات كثيرة تحمل اسم جمال وناصر وعبد الناصر؛ فكيف سيحذفون الأسماء ويغيّرون الهوية؟ سيظل «جمال النصر» حليف الوطن، ولا يمكن محوه، شاء من شاء وأبى من أبى.

٢. سألني أحد طلابي: ماذا يستفيد الشهيد بعد استشهاده، أو البطل المكافح بعد قتله على يد العدو إثر خيانة الكثيرين له؟ تأملت قليلًا ثم أجبت: صحيح أن البعض قد خانه، لكن التاريخ يذكره على مر العصور ويترحم عليه الكثيرون، أما من خانه فلا يعرفه التاريخ، بل تذكره مزبلته، فهناك يقبع ويُخلَّد ذكره.

٣. هل أصبحت الدول العربية مرتعًا لصهاينة يحملون جنسيات أوروبية، يديرون مراكز ومنصات، ويجنّدون العملاء والمتآمرين، ويجمعون المعلومات، ويدّعون العفة والالتزام؟ إذا بحثت قليلًا ستجد الأفعى الصهيونية تطل برأسها عبر ديدانها الصغيرة التي تزرعها في بلداننا. فانتبه، ليس كل شعاع يأتي من أجنبي بريقًا؛ فربما كان صدأً تعكسه مرآة الجهل، تراه بعينيك المتلهفتين فيخدع عقلك ويطمس قلبك بطمعٍ زائل.

٤. حل أزمة المياه ليس في إثيوبيا أو إسرائيل، فالعداء أزلي ولن يُحل إلا بالدم. فكّر خارج الصندوق، وحرّك بيدقًا آخر، وانظر إلى نهر الكونغو؛ وهنا إذا استدانت الدولة فسنبيع جميعًا ما نملك من أجل هذا المشروع القومي ومستقبل أبنائنا. فعليك أن تجيد لعبة الشطرنج السياسي.

ثالثًا: رسائل الزاجل حول إيران وإسرائيل وأمريكا

١. هناك علاقة عكسية تتفاوت في شدتها ودرجتها بين تصريحات ترامب حول الهدنة ووقف الحرب، وبين الهجمات الأمريكية والإسرائيلية واتخاذ قرار الحرب؛ فكلما أعلن بصوتٍ مدوٍّ نيته للتفاوض، كانت الضربة في الطريق، فالخطاب ليس إلا تمويهًا لما يُخطَّط ويُنفَّذ. حمانا الله شر الماكرين.

٢. حددت مراكز الفكر الأمريكية عام 2027 موعدًا للضربة الصهيوأمريكية الحاسمة لإيران، وما الوقت المتبقي إلا فسحة لـ«قص العشب» (إضعاف الأذرع والحلفاء) وخلق الفتن في المنطقة ليكتمل المخطط. فالعبرة ليست في الصمود فقط، بل في المبادرة والضربة الاستباقية؛ فقد كانت المفاجأة عنصر القوة لصالح مصر في حرب السادس من أكتوبر 1973. فاحرص أن تكون المبادر، وأن تأخذ العدو على حين غرة.

٣. المملكة العربية السعودية تضم الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين، ويجب أن تظل قوية صامدة، مع ضرورة إجهاض سلاح الفتنة بين السنة والشيعة دون إراقة دماء المسلمين؛ فالفتنة معول الصهاينة، بمساعدة بعض «الصهاينة الإبراهيميين» على الحدود، لتدويل الحرم تمهيدًا لهدمه لا قدّر الله، وإسقاط الإسلام على يد الأفعى الصهيونية. فلتقرؤوا كتاب «العودة إلى مكة» وما يتضمنه من مخطط لاحتلال المملكة وإسقاط الإسلام. حافظوا على المملكة والإسلام والحرم والدم الإسلامي، فلا مجال للفتنة بين سني وشيعي.

٤. تحرص أمريكا على ألا تزج بإسرائيل في المرحلة الحالية من حربها مع إيران، كي تجعل دول المنطقة كلها تحارب معها ضد إيران. وعلى إيران أن تُجهض هذا المخطط بضرب الأفعى المستترة تحت رداء العم سام، وإلا فسنقف أمام فتنة سنية شيعية تدفعها جيوش عربية وإسلامية لتفتيت دول المنطقة لصالح إسرائيل.

رابعًا: رسائل الزاجل حول غزة

١. نتنياهو محترف القتل وسفك الدماء في كل وقت وزمان، ومع اقتراب الانتخابات يقف كمصاص دماء يخرج من القبو ليلًا ونهارًا ليقتل ويسفك الدماء تحت مزاعم سياسية واهية، فقد أصبحت تلك حرفةً ينتهجها. وخروجه الآن من المشهد ليس في مصلحة البعض، لا من زاوية الكيان الصهيوني فحسب، بل من زاوية بعض دول المنطقة التي تستقبله وتنسق معه ليستمر في مشروع الإبادة، فتستمر آلة سفك الدماء وماكينة الإبادة في إنتاج دول جديدة ممزقة متناحرة، تقضمها أفعى الإبادة الصهيونية، ليس في غزة وحدها، بل في دول المنطقة والجوار العربي.

٢. غزة ليست نزهة عسكرية للجيش الصهيوني الإرهابي؛ فحين لا يجد ما يفعله في إحدى الساحات تمتد يده بالقصف والقتل. فهل هذا هو «السلام الإبراهيمي» المزعوم، أم أنها إبراهيمية الموت والدم؟ فليتعظ كل من يفكر في هذا السلام الإبراهيمي المفخخ.

٣. مصير غزة ينتظر الفيروس الجديد القادم كما سيشهده العالم، وسيرتبط مصيرها بكارثة الموت والمرض لا قدّر الله. فقد وضع الصهاينة منذ عام 1996 خطة لغزة خالية من سكانها، لتصبح ممرًا دوليًا يضم موانئ وممرات ومحطات للطاقة ومطارات وخدمات، فتتحول مع الوقت إلى محطة للسلام الإبراهيمي وتحقيق «الفيدرالية الإبراهيمية» في المنطقة. انظر إلى خطة «غزة 2035» التي طرحها الصهاينة، وإلى برنامج التعاون الإقليمي للحكومة الإسرائيلية عام 1996 إبان رئاسة نتنياهو الأولى للحكومة، ثم حدّثني إن وجدت فرقًا بينهما سوى مزيد من التفاصيل.

وهنا توقف الحمام الزاجل، وعاد إلى الوطن بسلام، تاركًا للقارئ حرية التدبر والتفكير.
والسلام ختام.